السعيد شنوقة
274
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
على حقيقته بل الذي فعله على حقيقته هو رب العالمين » « 1 » ؛ فعلى هذا رأى القاضي عبد الجبار أن الكسب أكثر ما فيه أنه لا يوجد إلا في محل قدرة العبد « 2 » ؛ فتصبح القدرة بذلك عبارة عن صفة متعلقة بالفعل لا على معنى أنها مؤثرة ، وفي ذلك نفي للتقدير المتحقق النابع من القدرة ، ومنه ينتفي كون صحة الفعل دلالة على أننا فاعلون قادرون « 3 » . ومن أمعن النظر في معنى الكسب عند الأشاعرة أدرك توسطهم بين التقرب من مبدأ اختيار العبد للأفعال وبين ابتعادهم عما قال به الجبريون وهو مسعى توفيقي - تلفيقي كما ذهب إليه بعضهم « 4 » . وذلك لأنهم حاولوا جعل معنى « الكسب » بديلا للاقتدار الكلي من الإنسان على أفعاله ؛ لكن المعتزلة حسموا موقفهم من هذه النظرية بجعلهم الإنسان أصلا لأفعاله ، وبأنه خالقها ومبدعها ، وحددوا معنى الكسب في اللغة بأنه « كل فعل يستجلب به نفع أو يستدفع به ضرر » « 5 » ؛ لذا يسمي العرب ما يستجلب في الأفعال من منافع أو يستدفع بها من ضرر كسبا ، وأن تلك الحرف مكاسب ، وأن المتحرّف كاسب « 6 » . ومن هنا ذهب بعضهم أن ما يجتلب به العباد ثواب الجنة أو عقاب النار كسب لهم « 7 » . ولعله من المهم أن نشير إلى أن الأشاعرة لم يقصدوا بالكسب « 8 » هذا المعنى اللغوي مثل ما ذكره القاضي عبد الجبار بل أرادوا به معنى اصطلاحيا سبق ذكره لهم . وإذا كان من أهم حجج الأشاعرة للمعتزلة أن العبد لو كان فاعلا ومحدثا على الحقيقة لوجب أن يكون خالقا ، وهذا حسب رأي الأشاعرة يهدم معنى الألوهية
--> ( 1 ) كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع ، ص ، 74 والبغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص ، 339 وابن الوزير المرتضى اليماني ، إيثار الحق على الخلق ، ص ، 312 ود . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 251 - 252 . ( 2 ) شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 65 . ( 3 ) أنظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 251 - 252 . ( 4 ) انظر م ن ، ص 254 . ( 5 ) القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 54 . ( 6 ) م ن ، ج 2 ، ص 54 . ( 7 ) انظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 252 . ( 8 ) « الكسب أن يخلق الله للقدرة الحادثة ، وأنها لا تتعلق بفعل خارج عن المحل ؛ فلا يقدر زيد على فعل عمرو ولا يتصور اثنان هما محل لفعل واحد » : الإيجي ، المواقف في علم الكلام ، ص 151 .